ولأن اليهودية بالغتْ في المادية بالغتْ كذلك المسيحية في الروحانية، ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام أنه لما رآهم يرجمون امرأة قال:"مَنْ كان منكم بلا خطيئة فليرجمها"، وقال: من ضربك على خَدِّك الأيمن أعطه خدك الأيسر.
وهذه رهبانية لم يكتبها الله عليهم، إنما تطوعوا بها، وآفة ذلك أنهم ما رعوْهَا حَقَّ رعايتها، يقول تعالى:
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}
[الحديد: 27] .
إذن: الذي أُخذ عليهم ليس الرهبانية، إنما أُخذ عليهم أنهم ما رَعوْهَا حَقَّ رعايتها، وما دامت اليهودية بالغتْ في المادية، وجاءت المسيحية روحانية صِرفة ليس فيها شيء قوانين تنظيم المجتمع، كان لا بدَّ من إصلاح الحالتين، واحتاجت حركة الحياة لدين جديد ورسالة جديدة تراعي الجانبين الروحاني والمادي، فكانت هي رسالة الإسلام.
وتأمل كيف ضرب القرآن مثلاً لمحمد وأمته، مرة في التوراة، ومرة في الإنجيل:
{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] .
هكذا جمعتْ أمة الإسلام بين الروح والمادة، فالمسلم لم يُطبع على الشدة، ولم يُطبع على الرحمة، بل يُشكِّله الموقف، لكن أشداء على مَنْ؟ ورحماءُ لمنْ؟
وتأمل دقة التعبير القرآني في إعطاء مَثَل لأمة الإسلام في التوراة وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي في الإسلام: