[الإسراء: 1] فكأن العبودية هي محلُّ العطاء، عطاء الرسالة وما هو فوق رسالة.
وهنا أيضاً كانت عبودية المسيح هي محلُّ {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] بماذا؟ أنعمنا عليه بالاصطفاء للرسالة، وخلقناه على غير مثال سابق في الخلق؛ لذلك قال سبحانه:
{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] أي: معجزة عجيبة دالة على طلاقة القدرة.
وقال هنا {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59] لأنهم قوم ماديون لا يؤمنون بالغيبيات، ودائماً يطلبون الشيء المادي الذي تقع عليه حواسّهم.
ألم يقولوا لموسى:
{أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وهو سبحانه غَيْب
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] .
ولما أنزل الله عليهم المنَّ والسَّلْوى، وهو من أجود الطعام وأحسنه قالوا:
{يَامُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] .
{وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ}
يعني: لو أراد الحق سبحانه لجعل بدلاً منهم - أي: بني إسرائيل - ملائكة يخلفونهم في عمارة الأرض، ولا يكون ذلك إلا بهلاكهم وإبادتهم، فهذا الأمر ليس بعسير على قدرة الله، وفي الآية دليلٌ على طلاقة القدرة، وأنه سبحانه يفعل ما يريد، فلو شاء لَفعلَ.
{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}
{وَإِنَّهُ} [الزخرف: 61] أي: عيسى عليه السلام {لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] يعني: علامة من علاماتها يدلُّ على قرب وقوعها {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} [الزخرف: 61] لا تشكُّون فيها ولا تجادلون في وقوعها لأنها حق لا مرية فيه.
{وَاتَّبِعُونِ} [الزخرف: 61] كونوا تابعين لي مقتنعين بكلامي مُقلِّدين لي، لأني أُسْوة لكم في حركة الحياة وفي العبادة {هَذَا} [الزخرف: 61] أي: ما جئتكم به {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 61] .
والحق سبحانه وتعالى جعل للساعة علامات واضحة تدل عليها، لأنها من الغيب الذي لا يطلع عليه أحدٌ إلا الله ولا يعرفها أحد، وكلُّ ما نعرفه عن الساعة علاماتها الدالة عليها.