وخلاصة ما سلف: أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد وعد الله بنشر هذا الدين، وأبناء العرب هم العارفون بهذه اللغة، فهم الملزمون بنشرها، ونشر هذا الدين للأمم الأخرى، فمتى قصروا في ذلك، أذلهم الله تعالى في الدنيا، وأدخلهم النار في الآخرة، فعسى أن يقرأ هذا أبناء العرب، ويعلموا أنهم هم المعلمون للأمم، فينشروا هذا القرآن، ويكتبوا المصاحف باللغة العربية، ويضعوا على هوامشها تفاسير بلغات مختلفة، كالإنجليزية والألمانية والروسية والأرومية، تعرِّف الأمم كلها هذا الدين، معرفةً حقةً خاليةً من الخرافات، التي ألصقها به المبتدعون ويعود سيرته الأولى، وما ذلك على الله بعزيز.
45 -ثم وبخ مشركي قريش، بأن ما هم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، لم يأت في شريعة من الشرائع فقال: {وَاسْأَلْ} يا محمد {مَنْ أَرْسَلْنَا} في محل النصب على أنه مفعول {اسأل} ، وهو على حذف المضاف. لاستحالة السؤال من الرسل حقيقةً، والمعنى: واسأل أمم من أرسلنا {مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا} وعلماء دينهم.
وفائدة هذا المجاز: التنبيه على أن المسؤول عنه، عين ما نطقت به ألسنة الرسل، لا ما يقوله أممهم وعلماؤهم من تلقاء أنفسهم {أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} ؛ أي: هل حكمنا بعبادة الأوثان، وهل جاءت في ملة من مللهم، والمراد به: الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس بباع ابتدعه، حتى يكذب ويعادى له، فإنه أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة.
قال ابن الشيخ: السؤال يكون لرفع الالتباس، ولم يكن رسول الله يشك في ذلك، وإنما الخطاب له والمراد غيره، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما نزلت هذه الآية، قال - صلى الله عليه وسلم -:"ما أنا بالذي أشك، وما أنا بالذي أساس".
والمعنى: أي واسأل أمم من أرسلنا من قبلك من الرسل، هل حكمنا بعبادة غير الله؟ وهل جاء ذاك في ملة من الملل، أو المراد بهذا الاستشهاد بيان إجماع المسلمين على التوحيد، والتنبيه على أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليس ببدع من بين الرسل في الأمر، حتى يكذب ويعادى له؟