ثمّ قال: فإذا وضح ما قلناه ، فإنما رد الله عليهم مقالتهم هذه. لأنهم توهموا أنها حجة على الله . فدحض الله حجتهم ، وأكذب أمنيتهم ، وبين أن مقالتهم صادرة عن ظن كاذب وتخرص محض ، فقال (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون) و (إِنْ هُمْ إِلَّّا يَظُنُّون) وقد أفصحت أخت هذه الآية عن هذا التقدير . وذلك قوله تعالى في سورة الأنعام (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) فبين تعالى أن الحامل لهؤلاء على التكذيب بالرسل ، والإشراك بالله ، اغترارهم بأن لهم الحجة على الله بقولهم (لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا) فشبه تعالى حالهم في الاعتماد على هذا الخيال ، بحال أوائلهم. ثم بين أنه معتقد نشأ عن ظن خلّب وخيال مكذب ، فقال (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُون) ثم لما أبطل أن يكون لهم في مقالتهم حجة على الله, أثبت تعالى الحجة له عليهم بقولهم (فلله الحجة البالغة) ثم أوضح أن الرد عليهم ليس إلاّ في احتجاجهم على الله بذلك . لا لأن المقالة في نفسها كذب. فقال (فلو شاء لهداكم أجمعين) وهو معنى قولهم (لو شاء الله ما أشركنا) من حيث أن (لو) مقتضاها امتناع الهداية لامتناع المشيئة. فدلت الآية الأخيرة على أن الله تعالى لم يشأ هدايتهم ، بل شاء ضلالتهم. ولو شاء هدايتهم لما ضلوا, فهذا هو الدين القويم ، والصراط المستقيم ، والنور اللائح والمنهج الواضح. والذي يدحض به حجة هؤلاء, مع اعتقاد أن الله تعالى شاء وقوع الضلالة منهم, هو أنه تعالى جعل للعبد تأتياً وتيسراً للهداية و