وبعد أن وصف الله تعالى المعرضين عن ذكره بالعشا، وصفهم أيضا بالصمم والعمى، بسبب كونهم في ضلال مبين، ولما بيّن تعالى أن دعوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا تؤثر في قلوب هؤلاء، تسلية للرسول صلّى الله عليه وسلّم، بيّن أنه لا بد وأن ينتقم لأجله منهم، إما حال حياته أو بعد وفاته، ثم أمره ربه أن يتمسك بما أمره به، فإنه على صراط مستقيم نافع، هو منهج القرآن الذي فيه شرف عظيم له ولقومه، وسوف يسألون عن القيام بحقه.
ثم أبان تعالى أن إنكار عبادة الأصنام في رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم ليس خاصا به، بل كل الأنبياء والرسل كانوا مجمعين على إنكاره.
التفسير والبيان:
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ أي ومن
يتعام ويتغافل ويعرض عن النظر في القرآن والعمل به، نهيئ له شيطانا يوسوس له ويغويه، فهو له ملازم لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يزين له به. والعشا في العين: ضعف البصر، والمراد هنا عشا البصيرة.
والمراد بالآية: إن من يعرف كون القرآن حقا ولكنه يتجاهل ذلك فهو في ضلال، ومادة كل آفة وبلية الركون إلى الدنيا وأهلها، فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر، ثم يصير بالتدريج كالعشى، ثم كالعمى.
والآية مثل قوله تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [فصلت 41/ 25] . وجاء في صحيح مسلم وغيره أن مع كل مسلم قرينا من الجن، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أي وإن الشياطين الذين يقيّضهم الله لكل من يعشو عن ذكر الرحمن، ليمنعونهم بالوسواس عن سبيل الحق والرشاد، ويحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم مهتدون إلى الحق والصواب.
ثم يتبرأ الكافر في الآخرة من قرينة الشيطان، فقال تعالى: