الثقات ما يؤيده من عرض مقاعد أهل القبور عليهم - إيَّاها -
بكرة وعشية ، فقد يحتمل أن يكون هذا العرض بقية من المساءلة تمتد
عليه ، وطائفة من عذاب القبر تطول عليه بكرة واحدة وعشية واحدة ،
ثم يخمد فلا يشعر إلى الحشر بشيء ، كما دللنا عليه.
فإن قيل: وكيف يكون ذلك وفي الموتى من يموت عشية يوم قد
مضت بكرته ، أو يموت ليلاً قد مضت البكرة والعشية معًا ؟.
قيل: نفس هذا دليل على أنه لا يؤخذ في العرض عليه من فور
دفنه ، فإذا عرض عليه غدوة يوم ، وعشية الثاني فقد ارتفعت غدوة
وعشية ، واستغرق الاحتمال ، وزال التعارض . فإن قيل: أفليس
قد رُوي:"أنه تُعرض عليهم مقاعدهم غدوة وعشية ، ما دامت الدنيا".
قيل: لم يأت بهذه اللفظة إلا قَبيصة عن سفيان ، ومالك
أثبت ، رَوى عن نافع ، عن ابن عمر فلم يذكرها ، وقبيصة
وإن كان من الأثبات ، فقد أغفل الحفظ في غير شيء ،
وأخطأ في كثير مما يواطأ عليه حفظ غيره ، فلا يعارض بزيادة زادها
القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه.
وقوله: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ،
يحتمل أن يكون الدعاء حتمًا ، يعصي التارك بتركه ،
ويحتمل أن يكون ندبًا ، ندب الخلق إليه ، وكذلك قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) ، فدل قوله - قبل هذه الآية -: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، على أنه حثهم عليه ، إشفاقًا
عليهم ، ليصل إليهم نفع إجابته . فمن استكبر عن دعائه كفر ، ومن
كسل عنه كان مغبون الحظ ، فإنه الخير الذي لا يعتاض منه.
قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)
إلى قوله: (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى) ، حجة على المعتزلة والقدرية ، فيما يزعمون: أن المقتول ميت بغير أجله ، ومقطوع عليه حياته.