أي: بوجه من الوجوه من حيث البصر {الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} أي: وما يستوي المستدل والجاهل المقلد {وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي: أوجدوا حقيقة الإيمان {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} أي: تحقيقاً لإيمانهم {وَلاَ الْمُسِيءُ} أي: وما يستوي المحسن والمسيء فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين أعاد معه لا توكيداً، والمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل، وبالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة.
(تنبيه)
التقابل يأتي على ثلاث طرق؛ إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ} كالأعمى والأصم والبصير والسميع.
الثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ} (فاطر: 19 - 20)
كل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} .
{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
أي: أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: يوجدون الكبر {عَنْ عِبَادَتِي} أي: عن الاستجابة لي فيما دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي {سَيَدْخُلُونَ} أي: بوعد لا خلف فيه {جَهَنَّمُ} فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة {دَاخِرِينَ} أي: صاغرين حقيرين ذليلين.
وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلاً منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة: الدعاء فإنه من أبوابها.
روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء مخ العبادة» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه» .