{أَن تَقُولَ} لئلا تقول {نَفْسٌ} إنما نكرت لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر ، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم ، ويجوز أن يراد التكثير {ياحسرتى} الألف بدل من ياء المتكلم ، وقرئ: {يا حسرتي} على الأصل و {يا حسرتاي} على الجمع بين العوض والمعوض منه {على مَا فَرَّطَتُ} قصرت و"ما"مصدرية مثلها في {بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 25] {فِى جَنبِ الله} في أمر الله أو في طاعة الله أو في ذاته ، وفي حرف عبد الله في ذكر الله والجنب الجانب يقال: أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته ، وفلان لين الجانب والجنب ، ثم قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه ، وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ، ومنه الحديث:
"من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل"أي لأجله ، وقال الزجاج: معناه فرط في طريق الله وهو توحيده والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين} المستهزئين.
قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها.
ومحل {وَإِن كُنتُ} النصب على الحال كأنه قال: فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى} أي أعطاني الهداية {لَكُنتُ مِنَ المتقين} من الذين يتقون الشرك ، قال الشيخ الإمام أبو منصور رحمه الله تعالى: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة ، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ} [إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه ، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا ، والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا.