واعلم أن الآيات وَصفت مصير أهل الكفر ومصير المتقين يوم الحشر ، وسكتت عن مصير أهل المعاصي الذين لم يلتحقوا بالمتقين بالتوبة من الكبائر وغفراننِ الصغائر باجتناب الكبائر ، وهذه عادة القرآن في الإِعراض عن وصف رجال من الأمة الإِسلامية بمعصية ربهم إلا عند الاقتضاء لبيان الأحكام ، فإن الكبائر من أمر الجاهلية فما كان لأهل الإِسلام أن يقعوا فيها فإذا وقعوا فيها فعليهم بالتوبة ، فإذا ماتوا غير تائبين فإن الله تعالى يحصي لهم حسنات أعمالهم وطيبات نواياهم فيُقاصُّهم بها إن شاء ، ثم هم فيما دون ذلك يقتربون من العقاب بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر في وفرة المعاصي فيؤمر بهم إلى النار ، أو إلى الجنة ، ومنهم أهل الأعراف.
وقد تقدمت نبذة من هذا الشأن في سورة الأعراف.
{وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} .
عطف على ما قبله من ذكر أحوال يوم القيامة التي عطف بعضها على بعض ابتداء من قوله تعالى: {ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعق مَن في السماوات ومَن في الأرض} [الزمر: 68] إن من جملة تلك الأحوال حَفّ الملائكة حول العرش.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون إيذاناً بأنها رؤية دنو من العرش وملائكته ، وذلك تكريم له بأن يكون قد حواه موكب الملائكة الذين حول العرش.
والحَفُّ: الإِحداق بالشيء والكون بجوانبه.
وجملة {يُسَبحون بحمد ربهم} حال ، أي يقولون أقوالاً تدل على تنزيه الله تعالى وتعظيمه مُلابِسَةً لحمدهم إياه.
فالباء في {بحمد ربهم} للملابسة تتعلق بـ {يسبحون} .
وفي استحضار الله تعالى بوصف ربهم إيماء إلى أن قربهم من العرش ترفيع في مقام العبودية الملازمة للخلائق.
{رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} .
تأكيد لجملة {وقُضِي بينهم بالحقِّ وهُم لا يُظلمون} [الزمر: 69] المتقدمةِ.
{بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ} .