وقد مثل الفعل الذي لم يسم فاعله دورا بارزا في تصوير الحركة المجهولة في طي الزمان, فالمشهد بدأ بفك الكون وتدميره من أعلى إلى أسفل، بالكائنات غير العاقلة: الشمس, النجوم, الجبال, العشار, الوحوش, البحار, ثم الكائنات العاقلة من النفوس والمؤودة, ثم رجوعها مره أخرى إلى الصحف التي تنشر والسماء التي تكشط, وذلك من الكائنات غير العاقلة؛ ليعود المشهد إلى مظاهره أو كائناته العليا كما بدأ, وكأنه مشهد يكور في دائرة انقلاب وانفلات للنظام في سرعة فجائية صارمة مثلها البدء ب: إِذَ للزمان المفاجئ, ثم تكرارها مع كل حدث مدمر، ومن الملاحظ أن كلمة البحار بالجمع لم تستخدم في القرآن الكريم إلا للحديث عن يوم القيامة، يقول تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير 6] . {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار 3] .
ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي:
فأولا: يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس, فجاء تسلسل الآيتين أولا سُجِّرَتْ وثانيا فُجِّرَتْ, وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة. [26]
وإذا نظرنا إلي هذا المشهد بكائناته وجزئياته, نجد أن التعبير بالفعل الذي لم يسم فاعله هو الأسلوب السائر في كل المشهد عدا جزئية واحدة فقط هي صورة انصباب النجوم وتنافرها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وقد جاء التعبير عن هذا المشهد بالفعل المبني للمعلوم! ولعل السر في ذلك أن النجوم في مراحل انكدارها تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر أو تتكدس على ذاتها فتطمس طمسا كاملا: النجوم الابتدائية ثم العادية ثم العماليق الحمر ثم السدم الكوكبية ثم الأقزام البيض ثم فوق مستعر من الطراز الأول ثم الثاني ثم النجوم النيترونية النابضة وغير النابضة والثقوب السوداء والنجوم المفردة والمزدوجة والمتعددة، والنجوم أفران كونية يتم في داخلها سلاسل من التفاعلات النووية التي تعرف باسم عملية الاندماج النووي. [27]