لما جرى الكلام على أن الله تعالى خلق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وهو مُلك عوالم الدنيا ، وذيل ذلك بأن الذين كفروا بدليل الوحدانية هم الخاسرون ، وانتقلَ الكلام هنا إلى عظمة مُلك الله تعالى في العالم الأخروي الأبدي ، وأن الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت الدنيا قد خسروا بترك النظر ، فلو اطلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة لقدّروه حقّ قدره فتكون الواو عاطفة جملة {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} على جملة {له مقاليد السماوات والأرض} [الزمر: 63] ويكون قوله: {وما قدروا الله} الخ معترضاً بين الجملتين ، اقتضاها التناسب مع جملة {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} [الزمر: 63] .
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الله خالق كل شيء [الزمر: 62] فتكون جملة {وما قدروا الله حق قدره} وجملة {والأرض جميعاً قبضته} كلتاهما معطوفتين على جملة {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] .
والمعنى: هو هو ، إلا أن الحال أوضح إفصاحاً عنه.
ويجوز أن تكون جملة {والأرض جميعاً قبضته} عطفَ غرض على غرض انتُقل به إلى وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه ، وجملة {وما قدروا الله حق قدره} اعتراضاً ، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صُبرة فنقصها عن مقدارها ، فصار معنى {ما قدروا الله:} ما عرفوا عظمته حيث لم ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلهيته.
و {حقَّ قدره} من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي ما قدروا الله قدرَه الحقَّ ، فانتصب {حَقَّ} على النيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع ، وتقدم نظير هذا في سورة الأنعام.
وجميع: أصله اسم مفعول مثل قتيل ، قال لبيد:
عريت وكان بها الجَميع فأبكروا
منها وغودر نؤيها وثمامها...
وبذلك استعمل توكيداً مثلَ (كلّ) و (أَجمَع) قال تعالى: {يوم يبعثهم اللَّه جميعاً} في سورة [المجادلة: 6] .