طريقة القدماء عجيب جداً ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل ، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه ؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره ؟ مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى الله تعالى ، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء ، فأما تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلاً ، والله أعلم.
واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزّه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية ، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول: أن العرش أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع ، ثم إنه قال في صفة العرش {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية} [الحاقة: 17] وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم ، فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملاً للسموات والأرض ؟