الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ لِمُورِدِ هَذَا السُّؤَالِ - إِنَّ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ - أَلَا يَسْتَحِي مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، مَنْ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ؟ وَفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا جَفَّتْ أَقْدَامُهُمْ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ حَتَّى قَالُوا لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وَلَمَّا ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أَنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهَابِهِ الْعِجْلَ الْمَصُوغَ، وَغُلِبَ أَخُوهُ هَارُونُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْعَجَائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَالْوَحْيُ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، قَالُوا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ}
وَآذَوْا مُوسَى أَنْوَاعَ الْأَذَى، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ آدَرُ وَهَذَا لِكَوْنِهِ كَانَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَاغْتَسَلَ يَوْمًا وَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ وَعَدَا خَلْفَهُ عُرْيَانًا حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى عَوْرَتِهِ، فَرَأَوْهُ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا.
وَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ هَارُونَ قَالُوا: مُوسَى قَتَلَهُ وَغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ تَابُوتَهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى عَايَنُوهُ مَيِّتًا، وَآثَرُوا الْعَوْدَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الْعُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالْبَصَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْعَدَسِ، هَكَذَا عِنْدَهُمْ.