إذن: تحمُّل رسولُ الله المشاق في سبيل الرسالة، ولم تكُنْ بالنسبة له رفاهية ولا تدليلاً، كذلك تحمَّل معه أهل بيته، ونالهم جزء من هذه المشاق، ولولا أن إشراق الجزاء في نفوسهم يعطيهم الأمل والثقة في الجنة، هذه الثقة التي جعلتهم وكأنهم ينظرون إلى أهل الجنة في الجنة ينعَّمون وإلى أهل النار في النار يعذبون، لولا هذا ما صبروا على هذه المتاعب والمشاق.
لذلك يقول سبحانه حينما يخاطب نساء النبي:
{يانِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ} [الأحزاب: 32] فلأنكُنَّ نساء النبي فلا بُدَّ أنْ تكُنَّ أول مَنْ ينفذ منهج الرسول لتتحقق بكُنَّ القدوة، وليعلم الناس أن الرسول ما جاء جباراً يأمرهم بما لا يأتمر به، أو ينهاهم عما لا ينتهي عنه، بل هو في التنفيذ سابقهم وإمامهم وقدوتهم هو وأهل بيته، إذن: كان صلى الله عليه وسلم أول المسلمين بالفعل.
وللعلماء كلام طويل في مسألة أوَّل المسلمين؛ لأنها وردتْ أيضاً على لسان سيدنا موسى عليه السلام، قال
{وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] أي: مسلمي زمانه، أما رسول الله فأول المسلمين في زمنه وفي زمن غيره، نقول لتقريب هذه المسألة: إن الأولية هنا أولية تفوق، والتفوق قد يكون تفوقاً إضافياً كما نقول: فلان الأول على كلية الحقوق هذا العام، فالتفوق هنا خاص بالعام الذي نتحدث عنه، وربما جاء في أعوام أخرى مَنْ تفوق عليه، وحصل على درجات أعلى منه، وقد يكون التفوق عاماً كما لو قلنا: فلان الأول على كلية الحقوق منذ أنشئت.
إذن: قد تكون الأولية في الزمن، وقد تكون الأولية في مقارنة الأزمان بعضها ببعض، فإذا قال رسول من الرسل: أنا أول المسلمين، فالمراد أول المسلمين في زمانه، وإذا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنا أول المسلمين فالمراد أول المسلمين من لدن آدم إلى قيام الساعة، يعني: أنا وإنْ تأخر زمني إلا أنني الأول إذا أخذنا الرتبة ساعة التكليف، ثم إن غيري من الرسل بُعِثَ إلى زمن بعينه في مكان بعينه، وأنا بُعثْتُ للناسِ كافة في كل زمان ومكان، ثم إنني خاتم الرسل، فلا رسالة بعدي ولا معقبَ من الرسل على رسالتي، هذه كلها حيثيات الأولية عند رسول الله، وهي حيثيات ظاهرة لا تُنكَر.
لذلك نجد الأولية دائماً على لسان رسول الله كما في قوله تعالى:
{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}