وإذ قد تقرر أن الذين جعلوا لله أنداداً هم الكفار بحكم قوله: {قُل تَمتَّع بِكُفرِكَ قَليلاً} ثبت أن الذين لا يستوون معهم هم المؤمنون ، أي هم أفضل منهم ، وإذ قد تقرر أن الكافرين من أصحاب النار فقد اقتضى أن المفضلين عليهم هم من أصحاب الجنة.
وعدل عن أن يقول: هل يستوي هذا وذاك ، إلى التعبير بالموصول إدماجاً للثناء على فريق ولذم فريق بأن أهل الإِيمان أهل علم وأهل الشرك أهل جهالة فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين ، فالذين يعلمون هم أهل الإِيمان ، قال تعالى: {إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء} [فاطر: 28] والذين لا يعلمون هم أهل الشرك الجاهلون ، قال تعالى: {قل أفغير اللَّه تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64] .
وفي ذلك إشارة إلى أن الإِيمان أخو العلم لأن كليهما نور ومعرفةٌ حقّ ، وأن الكفر أخو الضلال لأنه والضلال ظلمة وأوهام باطلة.
هذا ووقع فعل {يَسْتَوِي} في حيّز النفي يكسبه عموم النفي لجميع جهات الاستواء.
وإذ قد كان نفي الاستواء كناية عن الفضل آل إلى إثبات الفضل للذين يعلمون على وجه العموم ، فإنك ما تأملت مقاماً اقتحم فيه عالم وجاهل إلا وجدتَ للعالم فيه من السعادة ما لا تجده للجاهل ولنضرب لذلك مثلاً بمقامات ستةٍ هي جلّ وظائف الحياة الاجتماعية:
المقام الأول: الاهتداء إلى الشيء المقصود نواله بالعمل به وهو مقام العمل ، فالعالم بالشيء يهتدي إلى طرقه فيبلغ المقصود بيُسْر وفي قرب ويعلم ما هو من العمل أولى بالإِقبال عنه ، وغير العالم به يضل مسالكه ويضيع زمانه في طلبه ؛ فإما أن يخيب في سعيه وإمّا أن يناله بعد أن تتقاذفه الأرزاء وتنتابه النوائب وتختلط عليه الحقائق فربما يتوهم أنه بلغ المقصود حتى إذا انتبه وجد نفسه في غير مراده ، ومثله قوله تعالى:
{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً} [النور: 39] .