وقد تقدم في سورة آل عمران (44) عند قوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} وهي طريقة إقناعية كان البشر يصيرون إليها لفصل التنازع يزعمون أنها دالة على إرادة الله تعالى عند الأمم المتدينة ، أو إرادة الأصنام عند الأمم التي تعبد الأصنام تمييزَ صاحب الحق عند التنازع.
ولعلها من مخترعات الكهنة وسَدنة الأصنام.
فلما شاعت في البشر أقرتها الشرائع لما فيها من قطع الخصام والقتال ، ولكن الشرائع الحقَّ لما أقرتها اقتصدت في استعمالها بحيث لا يُصار إليها إلا عند التساوي في الحقّ وفقداننِ المرجِّح ، الذي هو مؤثر في نوع ما يختلفون فيه ، فهي من بقايا الأوهام.
وقد اقتصرت الشريعة الإِسلامية في اعتبارها على أقل ما تعتبر فيه.
مثل تعيين أحد الأقسام المتساوية لأحد المتقاسِمين إذ تشاحوا في أحدها ، قال ابن رشد في المقدمات:"والقرعة إنما جعلت تطييباً لأنفس المتقاسمين وأصلها قائم في كتاب الله لقوله تعالى في قصة يونس: فساهم فكان من المدحضين."
وعندي: أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين المتساويين لأنها لم تحك شرعاً صحيحاً كان قبل الإِسلام إذ لا يعرف دين أهل السفينة الذين أجرَوْا الاستهام على يونس ، على أن ما أُجري الاستهام عليه قد أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام.
فلو صح أن ذلك كان شرعاً لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا.
قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم فإنه لا يجوز فيمن كان عاصياً أن يقتل ولا أن يرمَى به في النار والبحر.
وإنما تجري عليه الحدود والتعزيرُ على مقدار جنايته.
وظَنّ بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفاً ، وهذا فاسد فلا تُخفَّف برَمْي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال وإنما يصبِرون على قضاء الله.