وقد أشار بقوله: فموجب تمكنا مصيب. وقوله: شرط تمكن عليه انفقدا ، إلى أن شرط التمكن من الفعل في التكليف ، مبني على الخلاف المذكور ، فمن قال: إن الحكمة في التكليف هي الامتثال فقد اشترط في التكليف التمكن من الفعل ، لأنه لا امتثال إلا مع التمكن من الفعل ، ومن قال إن الحكمة مترددة بين الامتثال والابتلاء ، لم يشترط التمكن من الفعل ، لأن الحكمة الابتلاء تتحقق مع عدم التمكن من الفعل كما لا يخفى ، ومن الفروع المبنية على هذا الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض ، بعد الظهر غداً من نهار رمضان ، ثم حصل لها الحيض بالفعل ، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض ، فعلى أن حكمة التكليف الامتثال فقط ، فلا كفارة عليها ، ولها أن تفطر ، لأنها عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال ، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال وتارة تكون الابتلاء ، فإنها يجب عليها تبييت الصوم ، ولا يجوز لها الإفطار إلا بعد مجيء الحيض بالفعل ، وإن أفطرت قبله كفَّرت. وكذلك من أفطر لحمى تصيبه غداً ، وقد علم ذلك بالعادة فهو أيضاً ينبني على الخلاف المذكور.
وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [البقرة: 124] .
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114)
ذكر جل وعلا منته عليهما في غير هذا الموضع ، كقوله في طه: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا موسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى} [طه: 3637] لأن من سؤاله الذي أوتيته إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون معهن ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن.
وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115)