قال عامة أهل التأويل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ، أي: من الغرق، ولكن جائز أن يكون (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) والذي نجاهم منه ما ذكر من قتل الرجال واستحياء النساء، حيث قال: (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ...) الآية، وما استعبدوهم واستخدموهم، أنجاهم اللَّه من ذلك الذل وأنواع البلايا والشدائد التي كانت عليهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ...) ، أخبر أنهم كانوا مستضعفين، فأنجاهم اللَّه من ذلك كله، وهو الكرب العظيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ(116)
يحتمل قوله: (وَنَصَرْنَاهُمْ) بالحجج والآيات التي أعطاهم.
أو (وَنَصَرْنَاهُمْ) حيث أنجاهم وأهلك فرعون والقبط، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ(117) التوراة.
ثم يحتمل قوله: (الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ) وجهين:
أحدهما: استبان لكل من عقل ونظر أنه من عند اللَّه نزل؛ لأن التوراة نزلت ظاهرًا في الألواح ليست كالقرآن لا يعرف أنه من عند اللَّه نزل إلا بعد التأمل والنظر؛ لأنه نزل في الأوقات الخالية التي لم يطلع عليه أحد سرا عن ظهر القلب.
والثاني: أنه استبان لكل من نظر فيها ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتقى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(118)
يحتمل الصراط الذي من سلكه أفضاه إلى مقصوده، وبلغه إلى الصراط المستقيم؛ لما بالحجج والبراهين قام لا بهوى الأنفس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ(119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120)
هو ما ذكرنا فيما تقدم: أنه أبقى لهما الثناء الحسن في الآخرين، وهو السلام الذي ذكر، واللَّه أعلم.