وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} تعقيب يجسد عظم البلاء, وقسوته، والمعنى: إِن هذا الأَمر الذي ابتلينا به إبراهيم وهذا الاختبار الذي سبرنا به غور إِيمانه وعمق يقينه، وتمحيص نبوته لهو الاختيار المتناهي في وضوح شدته، الذي يتميز فيه المخلصون، أَو لهو المحنة البينة الصعوبة البالغة أَقصى غايات القسوة والمرارة، إذ لا شيء أَصعب ولا أَقسى من أَن يذبح الإِنسان ولده بيده.
107 - {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} :
كان حديث الآيات السابقة عن عظم البلاء تنويهًا بعظم الفداء، وترشيحًا لجلال قدره ليقع قوله - تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} موقعه من قوة التصور، وسموّ التفخيم.
والمعنى: أَنجينا الغلام من الذبح، وعافيناه من محنته، وفديناه بما يذبح بدله - فديناه - بكبش عظيم الجثة مكتنزٍ لحمًا وشحمًا، أَو كبش عظيم القدر لأَنه عطاءُ الله، والعطاءُ يعظم بعظمة معطيه، ولأَنه يفدى به الله نبيًّا ابن نبي.
108، 109 - {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} :
أَي: لم ينته فضلنا على إبراهيم وولده عند كشف غمته، وإنزال الفداء، بل تجاوزنا هذا وزدناه حيث تركنا عليه، أَي: أَبقينا له وأعقبناه الثناء الحسن والذكر الجميل في الأُمم المتعاقبة بعده تتحرك به الشفاه وتنطلق به الأَلسن ترديدًا إلى آخر الزمان - تركنا عليه - {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} . فكل أَهل الأَديان يحيونه بالسلام عليه بلغاتهم.
110 - {كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} :
أَي: مثل هذا الجزاء العظيم: من دوام الذكر، وخالد الثناء نجزي المحسنين في أعمالهم، الصادقين في نيّاتهم وإِخلاصهم.
111 - {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} :
أَي: إِن إِبراهيم - عليه السلام - من جملة عبادنا المؤمنين الراسخين في الإيمان, الصادقين في العقيدة، ومن كان من جملة عبادنا المؤمنين لا يكون منه إلاَّ أَطيب الأَعمال، وأصدق الطاعات، ولا يكون له إلاَّ أَكرم الحسنات، وأَوفى المثوبات.
112 - {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} :