قيل إن إبراهيم - عليه السلام - حين تلقى هذه البشرى من ربه ، رأى أن يكون شكره للّه ، على هذا الإحسان ، وهذا اللطف ، بالمبادرة بالاستجابة لما طلب - رأى أن يكون شكره للّه أن يقدم هذا الولد قربانا للّه .. وكانت تلك عادة أهل هذا الزمن ، فِي المبالغة فِي التقرب إلى اللّه ..
فلما رزق إبراهيم إسماعيل ، وهو على نية التقرب به إلى ربه ، متى بلغ مبلغ الرجال - رأى فِي منامه وهو على تلك النية التي لم يحدد لها يوما معينا - رأى فِي منامه أن يذبح هذا الابن ، وكان قد بلغ معه السعى ، أي صار قادرا على أن يعمل مع أبيه ، وأن يسعى له فِي بعض حاجاته .. فعرف إبراهيم من هذه الرؤيا أنها تذكير من اللّه سبحانه بالوفاء بما نذر ، وأن يوم الوفاء قد جاء .. فكان هذا الحديث الذي جرى بين الأب وابنه ..
« يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ .. فَانْظُرْ ما ذا تَرى ؟ » إن الأمر أمر اللّه .. وإن لك فِي هذا الأمر مثل الذي لي .. فإن رأيت أن تطيع أمر اللّه أطعت أنا أمر اللّه فيك ، فما ذبحك بيدي بأقل ابتلاء لي من ابتلائك! فهل أنت مطيع لأمر اللّه ؟ إن الأمر إليك فِي هذا .. « فَانْظُرْ ما ذا تَرى ! » ؟
وماذا يرى الولد - وهو صورة من أبيه - إلا الامتثال لأمر اللّه ، والطاعة المطلقة لحكمه فيه .. ؟
« قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » إنه جواب المؤمن باللّه ، إيمانا لا يرى معه لنفسه حقّا إلى جانب ما للّه فيه من حق .. إنه كلّه ملك للّه ، وللمالك أن يتصرف كما يشاء فيما ملك ..