فعل) الذي يحرق أي يوذي من يتناوله كما أن الكفر يحرق الفؤاد ويقطع الأكباد ويفسد
الفطرة السليمة ويوصل إلَى الشقاوة المؤبدة. فالإحراق هنا أَيْضًا مُسْتَعَار للأذية. وسيغ صفة
مشبهة أصله سويغ فاعل فصار سيغ بالتشديد أو أصله سوغ بفتح السين وكسر الواو فقلب
الواو ياء عَلَى خلاف الْقيَاس. ومَلِحٌ بفتح الميم وكسر اللام صفة مشبهة أَيْضًا وهو أبلغ من
سائغ شرابه.
قوله: (ومن كل) أي كل واحد (تأكلون) للاسْتمْرَار (لحمًا طريًا) وهو الخوف وهو
لحم لغة لا عرفًا قد مَرَّ بَيَانُهُ في سورة النحل لم يقل وهو السمك لأنه ينتظم ما سوى
الحوت من الحيوانات البحرية نص عليه الشَّافعي في الأم كذا قيل. وفيه نظر وكلمة من
في ومن كل للابتداء وفيه إشعار بأنهم يبتدئون أكله من البحر مُبَالَغَة في تهيئه للأكل في
مقام الامتنان.
قوله: (استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم) استطراد في صفة البحرين لما
عرفت من أن الْمُرَاد بالبحرين الْمُؤْمن والكافر فلا جرم أنه ليس بمرتبط به فهو استطراد في
صفة البحرين الخ.
قوله: (أو تمام التمثيل) فلا يكون استطرادًا، وهذا الوجه يرى حسنًا قويًا؛ إذ الاستطراد
الانتقال من كلام إلَى آخر يناسبه وأصله أن الصائد يعدو خلف صيد فيعرض له صيد آخر
فيترك الأول ويذهب خلف الآخر ثم اسْتُعيرَ للانتقال الْمَذْكُور وهذا لا يناسب الجزالة
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: استطراد في صفة البحرين. أي ليس هذا من تمام ضرب المثل لأن فيه صفة مدح لا
تناسب الكافر فإنه لما ضرب البحر الملح مثلًا للكافر وكان لا يناسب وصفه بما يشعر مدحه لأنه
في معرض الذم له استعذر بأنه وارد عَلَى سبيل الاستطراد. مثاله أن يذهب الرجل إلَى مَوْضع
مَخْصُوص صائدًا [يعرض] له صيد آخر [فاستقل به] وأعرض عن الصيد الأول وكان قصد الاستطراد
يقتضي أن لا يعطف هُوَ عَلَى الْكَلَام السابق لكن لما كان له نوع تعلق بأصل الْكَلَام وهو الممثل به
جيء بالواو
قوله: أو تمام التمثيل. والْمَعْنَى كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد الخ. أي كما أنهما لا
يتساويان في أصل المقصود بعد اشتراكهما في بعض الفوائد كَذَلكَ لا يتساوى الْمُؤْمن والكافر في
ما هُوَ الخاصة العظمى بعد اشتراكهما في بعض الصفات الفاضلة. والحاصل أن وجه الشبه بين
الممثل والممثل به عَلَى تقدير كون هذه الْجُمْلَة موردة عَلَى طريق الاستطراد شيء واحد وهو
وجود ما ينتفع به في أحدهما دون الآخر وهذا معنى واحد يشترك فيه طرفا الاسْتعَارَة التمثيلية أعني
الممثل والممثل به وعلى كونها من تمام التمثيل شيئان. الأول ما ذكر، والثاني الاخْتلَاف فيما هُوَ
[الخاصية] العظمى بعد الاشتراك في بعض الصفات وهذا الْمَعْنَى أَيْضًا وصف مشترك بين الممثل
والممثل به هَاهُنَا فإنه كما أن البحرين مختلفان في معظم الخاصية المقصودة من الماء وهو كسر
العطش فإنه موجود في العذب دون الأجاج، ومشتركان في بعض الصفات الفاضلة كوجود اللحم
الطري والحلي فيهما كَذَلكَ الْمُؤْمن والكافر مختلفان في معظم الخاصية كالفطرة الأصلية فإنها
موجودة في الْمُؤْمن ومضيعة في الكافر ومشتركان في بعض الصفات الحسنة كالشجاعة والسخاوة.