والذين يمكرون المنكرات السيئات من قريش ضد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة، ومكر أولئك هو يفسد ولا يتحقق {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} والآية وإن تنزلت في مكر قريش برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحكمها شامل لهم ولغيرهم، كما قال - تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} .
11 - {وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} :
تضمنت هذه الآية أن الله - تعالى - خلق جميع البشر من تراب، وذلك إمَّا باعتبار أبيهم آدم، فقد خلقه الله من تراب، وإمّا لأنهم خلقوا من النطفة التي ترجع إلى الأغذية، والاغذية نشأَت من تراب، فهم مخلوقون جميعًا من تراب لهذا أو لذاك.
والمقصود من النطفة ماءُ الرجل الذي فيه الحيوانات المنوية وماءُ المرأة الذي فيه البويضة، وقد مرَّ بيان ذلك مستوفى في تفسير قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} فارجع إليها إن شئت.
وهذه الآية تشير إلى دليل آخر من أدلة البعث غير ما تقدم والمقصود من قوله - تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} : وما يمد في عمر أحد حتى يصير معمرًا، فسماه معمرًا باعتبار
ما يؤول إليه، والمقصود من قوله: {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} ولا ينقص من عمر أحد آخر غير المعمر، كما تقول: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر غير الدرهم الأول، وهذا هو المعروف في علوم البلاغة (بالاستخدام) وهو ذكر اللفظ بمعنى وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر.