وهذا وأمثاله ليس بمستنكر من أمة قدحت في معبودها وإلهها، ونسبته إلى ما لا يليق بعظمته وجلاله، ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم، ورمتهم بالعظائم والسوءات، أن ينسبوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك.
وعدواتهم له، ومحاربتهم إياه، وتكذيبهم له، وكيدهم له، كل ذلك أشهر من أن يذكر، وذلك لما تحمله قلوبهم من الكفر والحسد.
وقد خلق الله لكل باطل وبُهت حملة .. كما خلق للحق حملة .. وليس وراء بُهت اليهود بُهت: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) } ... [المائدة: 13] .
ثم استمر الأمر على عهد موسى كليم الرحمن على التوحيد، إلى أن توفي موسى - صلى الله عليه وسلم -، ودخل الداخل على بني إسرائيل، وأقبلوا على علوم الكفار، وقدموها على نصوص التوراة.
فسلط الله عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، ومزقهم كل ممزق، وتلك سنة الله في عباده إذا أعرضوا عن الوحي، وتعوضوا عنه بكلام الكفار والملاحدة: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [الأنعام: 44] .
وكذلك النصارى لما أعرضوا عن دين الله سلط الله بعضهم على بعض، كما قال سبحانه: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) } [المائدة: 14] .
وكما سلط الله النصارى على بلاد العرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق، واشتغل المسلمون بذلك، وهجروا كتاب ربهم، فاستولت النصارى على بلادهم، وأصاروهم رعية لهم.