وكذلك لما ظهر هذا الأمر ببلاد المشرق سلط الله عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر أهلها، واستولوا عليها، وأهانوا أهلها.
وكذلك في المائة الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الباطل والإلحاد سلط الله عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات، واستولوا على حجاج بيت الله، واستعرضوهم قتلاً وأسراً، واشتدت شوكتهم، واستقر ملكهم في مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها.
فهذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبباً في دمارهم، وزوال ملكهم.
فلنحذر من هذا الشر لئلا يصيبنا ما أصابهم، ويحل بنا ما حل بهم.
ثم بعث الله سبحانه بعد موسى (عبده ورسوله وكلمته المسيح عيسى بن مريم (فجدد لهم الدين، وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا
شريك له، والبراءة من تلك الأحداث والآراء الباطلة.
فعادوه .. وكذبوه .. ورموه وأمه بالعظائم .. وراموا قتله .. فطهره الله منهم .. ورفعه إليه.
وأقام الله للمسيح أنصاراً دعوا إلى دينه وشريعته، حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة.
ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركّبوا ديناً بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام.
هذا ومعهم بقايا من دين المسيح كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم بنصها.
ولما أخذ دين المسيح في التغيير والتحريف والتبديل، وظهر الفساد، وعم البلاء، اجتمعت النصارى عدة اجتماعات في أزمنة مختلفة، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن، وقول الزور والباطل.
فمرة قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم .. ومرة قالوا: إن الله ثالث ثلاثة .. ومرة قالوا المسيح ابن الله، إله حق من إله حق .. ومرة قالوا: الإله واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد.
وهم في ذلك حيارى، تائهون، ضالون، مضلون.
لا يثبت لهم قدم .. ولا يستقر لهم قول في إلههم .. بل كل منهم قد اتخذ ألهه هواه، وصرح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه.