والثاني: الضمير المجرور في {لَكُمْ} ، والعامل على هذا {أَنْ يُؤْذَنَ} ، ولا يجوز جَرُّ {غَيْرَ} عند أصحابنا البصريين على أن يكون وصفًا للطعام، لأنه كان يلزم فيه إظهار الضمير الذي في {نَاظِرِينَ} ، فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، لأن اسم الفعل إذا جرى وصفًا، أو خبرًا، أو حالًا، أو صلة على غير من هو له لم يستتر فيه ضمير الفاعل كما يستتر في الفعل، تقول: مررت برجل تضربه وأضربه ويضربه، فلا تحتاج إلى إبراز أنت وأنا وهو لعدم اللبس، ولا تقول: مررت برجل ضاربه، وأنت تريد ضاربه أنت أو أنا أو هو حتى تبرز الضمير فتقول: أنت أو أنا أو هو، لينتفي اللبس، لأنك تجد اللفظ في اسم الفاعل واحدًا وإن كان في التقدير مختلفًا، بخلاف الفعل، لأن الفعل تلحقه علامات مختلفة تدل على اختلاف هذه الأحوال، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وكذا هنا اسم الفاعل للمخاطبين، فإذا أجريته على الطعام كان جاريًا على غير ما هو له، فتحتاج إلى أن تبرز الضمير فتقول: غير ناظرين إناه أنتم، ومع هذا فقد قرأ به ابن أبي عبلة وليس بالوجه لما ذكر.
و {إِنَاهُ} هنا يجوز أن يكون مصدرًا، يقال: أنَى الطعام يَأْنِي إِنًى، إذا أدرك، وإِنْيُ الطعام: إدراكُهُ، أي: غير منتظرين إدراكه. وأن يكون ظرف زمان، يقال أيضًا: أَنَى يَأْنِي إِنًى، أي حان، أي: غير منتظرين وقت الطعام وحينه. وفيه ثلاث لغات: أَنى، وإِنى، وإناء. وقيل: هو مقلوب من آن يئين أينًا، قدمت النون قبل الألف، وغيرت الهمزة إلى الكسرة، وأُنشد:
522 -أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عَمَايَتِي ... وأُعْرِضُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا
فجمع بين اللغتين كما ترى.
وقوله: {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ} يجوز أن يكون مجرورًا عطفًا على {نَاظِرِينَ} ، وأن يكون منصوبًا عطفًا على {غَيْرَ} ، على: ولا تدخلوها مستأنسين، أو ولا تمكثوا مستأنسين، فيكون حالًا.