الأنفال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)
وقد مضى هذا المعنى في كثير من فصول هذا الكتاب ، وفي بعضه كفاية لنقض قولهم.
وإنما تكريرنا إياه على نسق الآيات كما شرطناه ليتبصروه إن وفقوا
لفهم ، ويعلموا أن الفعل وإن كان مضافا إلى فاعله من الخلق فغير مانعه أن
يكون محمولا عليه. وعامله بتيسير خالقه له جل جلاله.
ذكر الرافضة.
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا)
إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا(29) .
حجة على الرافضة فيما ينتقصون أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها
-من جهتين.
إحداهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بها مع حداثة سِنها ،
ْوأمر أن تستشير أبويها فاختارت الله ورسوله قبل استشارتهما ،
فاستن بها سائر أزواجه ، فسعدت بفضل المبادرة بمثل هذه المنقبة
الجليلة ، والله يقول: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ، وقال:
(لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) ،
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"مَن سَن في الإسلام سنة حسنة"فدل الكتاب والسنة على
أن للمباردين إلى الفضائل والقربات فضل على المتبعين .
والثانية: أن الله - جل وتعالى - لم يكذبها فيما اختارت ، وعرف
صدقها ، فأوجب لها ما وعدها من الأجر العظيم فكيف تنتقص امرأة قد
صدقها الله - جل وتعالى - في إرادتها الله ورسوله والدار الآخرة ،
أم أي شيء يضرها مسيرها يوم الجمل ، والله - جل وتعالى - قد
ْأوجب لها ما أوجب باختيارها ، وكان الله لا محالة عالمًا بأنها ستسير
مسيرها فلم ينزل فيها وحي على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يحط
درجتها ، هذا مع ما أنزل فيها في سورة النور من الآيات ، وأنها