وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِتَالِ، وَقَالُوا: هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: (29) ] .
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ" {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَلَا مُجَادَلَةَ أَشَدُّ مِنَ السَّيْفِ أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يُقِرُّوا بِالْخَرَاجِ".
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} إِلَّا الَّذِينَ امْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَنَصَبُوا دُونَهَا الْحَرْبَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَغَيْرُ ظَالِمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَةَ؟
قِيلَ: إِنَّ جَمِيعَهُمْ وَإِنْ كَانُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ظَلَمَةً، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِقَوْلِهِ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ظُلْمَ أَنْفُسِهِمْ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ أُولَئِكَ جَادِلُوهُمْ بِالْقِتَالِ.