وقال الشعبي: نزلت هاتان الآيتان في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام ، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إنّه لا يقبل منكم إقرار بإسلام حتى تهاجروا ، فخرجوا عائدين إلى المدينة ، فاتبعهم المشركون فردوهم ، فنزلت فيهم هذه الآية ، فكتبوا إليهم إنّه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا ، فقالوا: نخرج ، فإن اتبعنا أحد قاتلناه . فخرجوا ، فاتبعهم المشركون ، فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ومنهم من نجا ، فأنزل الله سبحانه فيهم هاتين الآيتين ، وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يومئذ سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة"، فجزع عليه أبواه وامرأته ، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية وأخبر أنّه لابد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله تعالى ، وقيل: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} بالأوامر والنواهي.
ثم عزّاهم ، فقال عز من قائل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} والله تعالى عالم بهم قبل الإختبار ، وعلمه قديم تام ، وإنّما معنى ذلك: فليظهرنّ الله تعالى ذلك حتّى يوجد معلومة.
قال مقاتل: فليرين الله ، الأخفش: فليميزنّ الله.
وقال القتيبي: علم الله سبحانه نوعان: أحدهما: علم شيء كان يعلم إنّه كان ، والثاني: علم شيء يكون ، فعلم إنّه يكون وقت كذا ولا يعلمه كائناً واقعاً إلاّ بعد كونه ووقوعه ، بيانه قوله سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} [محمد: 31] أي نعلم المجاهدين منكم مجاهدين ونعلم الصابرين صابرين ، فكذلك هاهنا فليعلمنّ الله ذاك موجوداً كائناً وهذا سبيل علم الله في الإستقبال.