وإلا وهو يحاصره، حتى أنه ليقول له فيما يقول: عبدي أتذكر يوم كذا وكذا، إذ
فعلت كذا وكذا، فيقول له العبد: رب أولم تغفر لي؟ فيقول: نعم، وقد رضيت
عنك"فانظر وفقك الله، كما أن العبد إذا قرأ القرآن أو تذكر فضل الله ورحمته أو"
وقف بفهم وعلم على وعد منه سبق إلى تلك الحال بذكر الذنوب، ليستغفر ربه
ويسأله فضله.
فكذلك فيما هنالك أرجع الخطاب إلى قصة إبراهيم - عليه السلام -:(فَمَا كَانَ جَوَابَ
قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)هذا من
معنى المجاهدة وتحمل الإذاية في الله - جل ذكره - وبدأ يذكر إبراهيم وقوله
لقومه، وثنا عليه أنباء محمد - عليهما السَّلام - ثم أرجع وجه الخطاب إلى تتميم
قصة إبراهيم.
أرى - والله أعلم - أنه لما كانت رسالة إبراهيم شبيهة برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكونه
له أولى الناس ومأمورًا بإتباع ملته، وهو أشبه ولده به تداخل خطاب إبراهيم وقومه
وخطاب محمد وأمته، فانثنى بعض ذاك على بعض، وكانت تلك جاهلية أولى
وجاهلية ما قبل المولد، والمبعث جاهلية أخرى، قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قيل: هي الجاهلية التي بعث عليها إبراهيم - عليه السَّلام - .
أتبع ذلك قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الإيمان
الحق هو القول والعقد، إنه لا يفعل فعل الله إلا الله - جل ذكره - وأنه ليس
للفاعلين سواه فعل بأنفسهم، إنما يفعل ذلك الله - جل ذكره - ودلّ على ذلك من
جعله في النار ولم تحرقه، لقوله - جلَّ جلالُه - لها: (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)
إنها لا تحرق إذًا إلا بإذن يؤذن لها كما كفت عن الإحراق بإذن يؤذن
لها فيه، وإنما يخلق الحرق فيها عند مباشرتها الأجسام، وكذلك السيف لا يقطع إلا
بإذن، وكذلك الخبز لا يشبع إلا بأن يخلق الله الشبع لآكله والماء كذلك، والعقاقير
لا ينفذ عنها المعهود منها إلا بإذن من الله لها في ذلك.
وإذا كان ذلك كذلك فليس على التحقيق يفعل الفاعلون ولا يشأ المريدون