يعدمهم ثم يعيد إظهاره، أي: إظهار الخلق، يعني: يوم البعث متصلاً بيوم الخلود،
ولذلك قال: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) .
ثم وصل بذلك قوله - عز وجل -: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ...(20) .
أي: بالإنشاء لهم، ثم يميتهم ثم ينشئهم (النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) فهو
الأول في إظهارهم عن كريم وجوده بعد، وهو الآخر بإنشائهم النشأة الآخرة، وهو
الظاهر في ظهورهم مما أظهره منهم وبهم، فهو الباطن في أزل أزله، والباطن بما
أبطن من كريم وجوده فيما أظهره من وجودهم؛ لذلك قال - وهو أعلم: (وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) .(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا
تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا).
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ...(22)
خاطب بهذا المنكرين للبعث الآخر.
يقول:"وما أنتم بمعجزين لنا في حال فنائكم وذهابكم في الأرض وإخراجكم"
من خزائن السماوات والأرض، كما لم تعجزونا أول مرة جمعهم أولاً بواسطة
الرياح من السماء"فأنزلهم من السماء ماءً وأمرًا، ثم أنبتهم من الأرض إنباتًا في"
النبات، ثم جعل ذلك النبات خزائن للحيوان والإنسان، كما جعل السماء والأرض
خزائن للنبات، وما طار من رطوبات أجسام الموتى بواسطة الهواء وما رسب منها
من أرضيه إلى الأرض، فعادت ترابًا في التراب، ثم أخرجهم من الأنعام، ومن آدم
منيًّا، ثم صيرهم في الأرحام بنقلهم في طبقات التكوين، ثم أخرجهم من الأرحام
إلى الأرض، يرزقهم من السماء إلى الأرض على ما تقدم ذكره، ثم يميتهم ويعيد
أجسامهم إلى الأرض، وما بطن من ذواتهم إلى الهواء والسماء وإلى عاجل منازلهم
من الجنة أو جهنم.
ثم كذلك إذا أذن الله - جل ثناؤه - بالنشأة الآخرة أمر كل شيء أخذ من شيء
شيئًا، فرد ما اختزن فيه، ثم دعاهم دعوة من الأرض، إذا هم قيام ينظرون هذا، والله