لكن لم يحدث شيء من هذا ، حيث أمكنهم الله منه حتى ألقوه في النار وهي مشتعلة ، وهو مُوثق بالحبال ، ومع ذلك لم تُصِبه النار بسوء ، وظهرتْ الآيات بينات واضحات أمام أعين الجميع .
الأمر الآخر: قال هناك {لِّلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] لأن السفينة حينما رسَتْ ونجا ركابها ظلَّتْ باقية في مكانها يراها الناس جميعاً ويتأملونها ، فقد كان لها أثر باقٍ قائم مُشَاهد .
أمّا في مسألة إبراهيم - عليه السلام - فقال {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] لأن نجاة إبراهيم - عليه السلام - كانت عبرة لمن شاهدها فقط ، ونحن نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها ، ونحن مؤمنون بالله ، فهي آيات للمؤمنين بالله لا للعالمين .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أَوْثَاناً ...} .
المعنى: إنْ كنتم لم تؤمنوا بالآيات الكونية الدالة على قدرة الله ، ولم تؤمنوا بالمعجزة التي رأيتموها حين نجاني ربي من النار ، وكان عليكم أنْ تؤمنوا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله ، فلماذا إصراركم على الكفر؟
فلا بُدَّ أنكم كفرتم بالله وعبدتم الأصنام ، لا لأنكم مقتنعون بعبادتها ، ولا لأنها تستحق العبادة ، إنما عبدتموها {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا ...} [العنكبوت: 25] يعني: نفاقاً ينافق به بعضكم بعضاً ومجاملة ؛ لأنكم رأيتم رؤوس القوم فيكم يعبدونها فقلَّدتموهم دون اقتناع منكم بما تعبدون ، أو مودةً لآبائكم الأولين ، وسَيْراً على نهجهم ، كما حكى القرآن: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .
وفي آية أخرى {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ...} [المائدة: 104] .