لذلك إن لم يكُنْ لك رزق في حرثك هذا ، فلا ينبت النبات ، أو ينبت ثم تصيبه آفة أو إعصار فيُهلكه قبل استوائه . إذن: فالمسألة قيومية لله تعالى وليست (ميكانيكا) .
وقد خرق الله نواميس الكون لموسى - عليه السلام - حينما ضرب البحر ، فصار كل فِرْق كالطَّوْد العظيم ، وتحولت سيولة الماء إلى جبل صلب . وخرق نواميس الكون لإبراهيم حينما قال للنار: {قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
وخرق النواميس ليثبت الإعجاز ، وليثبت أن يد الله تعالى لا تزال مسيطرة على مُلْكه سبحانه ، لا أنه خلق النواميس وتركها تعمل في الكون دون تدخُّل منه سبحانه كما يقول الفلاسفة ، فالحق سبحانه خلق النواميس لتفعل ، ولكن قيوميته تعالى وقدرته تُعطِّل النواميس .
{فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] ونذكر في قصة السفينة أن الله تعالى قال عنها: {وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] آية وهنا قال {لآيَاتٍ ...} [العنكبوت: 24] وهناك قال {لِّلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] وهنا قال: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] فالاختلاف إذن بين السياقين في أمرين:
قال في السفينة {آيَةً ...} [العنكبوت: 15] لأن العجيب في أمر السفينة ليس في صناعتها ، فمَنَ رآها يمكن أنْ يصنع مثلها ، إنما الآية فيها أن الله تعالى أعلمه بها قبل الحاجة إليها ، ثم منع عنها الزوابع والأعاصير أن تلعب بها وتُغرق ركابها .
أمّا في مسألة الإحراق فعجائب كثيرة وآيات شتى ، فكان من الممكن ألاَّ يمكنهم الله منه ، وكان من الممكن بعد أن أمسكوا به وألقوه في النار أنْ يُنزل الله مطراً يطفيء نارهم وينجو إبراهيم ، أو يسخر له من القوم أهل رأفة ورحمة ينقذونه من الإلقاء في النار .