ثم قالوا {أَوْ حَرِّقُوهُ ...} [العنكبوت: 24] وهل التحريق بعد القتل يُعَد ارتقاءً في العقوبة؟ لا شكَّ أن القتل أبلغ من التحريق ، فقد يُحرق شخص ، وتتم نجدته وإسعافه فلا يموت ، فالقتل تأكيد للموت ، أمّا التحريق فلا يعني بالضرورة الموت ، فلماذا لم يقولوا فقد اقتلوه وتنتهي المسألة ، أو يُصعدوا العقوبة فيقولوا: حرِّقوه أو اقتلوه؟
إنهم بدأوا بأقصى ما عندهم من عقوبة لشدة حَنَقهم عليه فقالوا {اقتلوه ...} [العنكبوت: 24] ثم تراءى لهم رأي آخر: ولماذا لا نحرقه بالنار ، فربما يعود ويرجع عن دعوته حينما يجد ألم التحريق ، وهذا يُعَد كسباً لهم ، وتُحسَب الجولة لصالحهم .
لكن مَن الذي قال {اقتلوه ...} [العنكبوت: 24] ؟ من الآمر بالقتل ، ومَنِ المأمور؟ لقد اتفقوا جميعاً على قتله ، فالآمر والمأمور سواء ، وهذا واضح من الآية: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ...} [العنكبوت: 24] فالقوم جميعاً تواطئوا على هذه المسألة . أو أن الآمر هم رؤساء القوم وكبارهم الذين يأتمر الناس بأمرهم ، أما التنفيذ فمهمة الأتباع .
ونحن نرى ثورة الجمهور وانفعاله حينما تقع جريمة مثلاً ، فالكل يغضب ويقول: اقتلوه ، اسجنون ، فكلهم قائل ، وكلهم مقول له .
ثم يقول سبحانه {فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار .. .} [العنكبوت: 24] وهنا يعترض الفلاسفة: كيف والنار من طبيعتها الإحراق؟ كيف يتخلف هذا القانون؟ لكن كيف معجزة إنْ لم تأْتِ على هذه الصورة؟
إن الحق سبحانه خلق الخَلْق وجعل فيه نواميس تفعل فعلها وتؤدي مهمتها تلقائياً ، فالأرض مثلاً حينما تحرثها ، وتلقي فيها الحَبَّ ، ثم ترويها ، الناموس أن تنبت ، وحتى لا يظن ظانٌّ أن الكون إنما يسير على وَفْق هذه النواميس ، لا وَفْقَ قدرة الله نجد أنه سبحانه يخرق هذه النواميس ليثبت لنا قيوميته على خَلْقه وطلاقة قدرته فيه .