والمعنى: إني مهاجر عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي {إِنَّهُ هُوَ العزيز الحكيم} أي الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة: وقيل: إن القائل: {إني مهاجر إلى ربي} هو لوط ، والأوّل أولى لرجوع الضمير في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ} إلى إبراهيم ، وكذا في قوله: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيَّتِهِ النبوة والكتاب} ، وكذا في قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين} فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف ، أي منّ الله عليه بالأولاد ، فوهب له إسحاق ولداً له ويعقوب ولداً لولده إسحاق ، وجعل في ذرّيته النبوّة والكتاب ، فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلاّ من صلبه ، ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب ، والمراد: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، ومعنى {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا} : أنه أعطي في الدنيا الأولاد ، وأخبره الله باستمرار النبوّة فيهم ، وذلك مما تقرّ به عينه ، ويزداد به سروره ، وقيل: أجره في الدنيا أن أهل الملل كلها تدّعيه ، وتقول هو منهم.
وقيل: أعطاه في الدنيا عملاً صالحاً وعاقبة حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة وكثرة العطاء من الربّ سبحانه.
وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله نوحاً ، وهو ابن أربعين سنة ، ولبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان عمر نوح قبل أن يبعث إلى قومه وبعد ما بعث ألفاً وسبعمائة سنة.