وأياً ما كان فإضافة الرحمة إلى ضمير المتكلم فيما يأتي إن شاء الله تعالى لما أن ذلك حكاية كلامه عز وجل على وجهه ومثله في القرآن الكريم كثير ، والسير كما قال الراغب: المضي في الأرض ، وعليه يكون في الآية تجريد ، والظاهر أن المراد به المضي بالجسم ، وجوز أن يراد به إجالة الفكر.
وحمل على ذلك فيما يروى في وصف الأنبياء عليهم السلام أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة ، ومنهم من حمل ذلك على الجد في العبادة المتوصل بها إلى الثواب ، والمعنى على ما قلنا أولاً امضوا في الأرض وسيحوا فيها.
{فانظروا كَيْفَ بَدَأَ} الله تعالى {الخلق} أي كيف خلقهم ابتداءً على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى ، فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها ، وعلى هذا تتغاير الكيفية في الآية السابقة والكيفية في هذه الآية لما أن الأولى كما علمت باعتبار المادة وعدمها وهذه باعتبار تغاير الأحوال.
ولعل التعبير في الآية الأولى بالمضارع أعني {يَبْدَأُ} دون الماضي كما هنا لاستحضار الصورة الماضية لما أن بدء الخلق من مادة وغيرها أغرب من بدء الخلق على أطوار مختلفة على معنى أن خلق الأشياء أغرب من جعل أطوارها مختلفة ، وأنت إذا لاحظت أطوارها مختلفة إنما هو بعد سبق المادة ولو سبقاً ذاتياً وهو ما قام به الاختلاف أعني ذوات الأشياء لا تشك في أن الأول أغرب من الثاني ، ولذا ترى التمدح بأصل الخلق في القرآن العظيم أكثر من التمدح بالجعل المذكور.
وقد وافق الصيغة في الإشعار بالغرابة بناء الفعل من باب الأفعال فإنه غير مستعمل ولذا قالوا: أنه مخل بالفصاحة لولا وقوعه مع {يُعِيدُ} [العنكبوت: 19] ، ومما يقرب من هذا السر ما قيل في وجه حذف الياء من يسر في قوله تعالى: {واليل إِذَا يَسْرِ}