وقد أحببت أن أتكلم على هذه الآية هنا بما يناسب المقام:
فقوله تعالى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113) } [سورة آل عمران: 113] أي: مستقيمة عادلة، من قولك: قَوَّمْتُ العود، فقام، واستقام، بمعنى.
والاستقامة والعدل أول أركان التجارة، وإلا فلا بركة فيها، بل هي ممحوقة، فلا بد أن يكون العبد مستقيماً على طريقة الشريعة، وإلا فإن تجارته بائرة، وصفقته خاسرة.
قال الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) } [سورة هود: 112] ، أشار إلى أن الميل عن الاستقامة طغيان.
ولذلك قال تعالى: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) } [سورة الرحمن: 7 - 8] ؛ أي: لا تميلوا عن العدل فيه والاستقامة.
وروى الدارمي عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقلت: أوصني، قال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة؛ اتبع ولا تبتدع.
وروى هو، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن سفيان الثقفي رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال:"قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ"، قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه.
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ثوبان، وابن ماجه، عنه، وعن ابن عمر، والطبراني في"الكبير"عنه، وعن سلمة ابن الأكوع رضي الله تعالى عنهم: أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"اسْتَقِيْمُوْا وَلَنْ تُحْصُوْا، وَاعْلَمُوْا أَنَّ خَيْرَ أَعْمالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحافِظُ عَلَىْ الْوُضُوْءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ".
وأخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة، والطبراني عنه]، وعن عبادة ابن الصَّامت رضي الله تعالى عنهما، يرفع الحديث] ولفظهما:"اسْتَقِيْمُوْا، وَنِعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وَخَيْرُ أعمالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَنْ يُحافِظَ"
عَلَىْ الْوُضُوْءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ"."
وقيل لأبي حفص الحداد - رضي الله عنه: أي العمل أفضل؟ قال: الاستقامة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"اسْتَقِيْمُوْا، وَلَنْ تُحْصُوْا".