ثم التقوى تنشأ عنها سائر الأعمال الصالحة؛ لأنها ترجع إلى صلاح القلب، وبصلاحه يصلح سائر الجسد، كما علمت من الحديث، فصلاح الجسد إنما يكون بالأعمال الصَّالحة، ومن ثَمَّ وصف الله الذين اتقوا بقوله: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [سورة آل عمران: 16 - 17] .
ووصف المتقين بقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [سورة البقرة: 3] ، إلى قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [سورة البقرة: 5] .
وقال تعالى بعد أن ذكر جملة من أعمال البر في قوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [سورة البقرة: 177] .
وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [سورة آل عمران: 113] ، إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [سورة آل عمران: 115] .
وهذه الآية الكريمة ما أبقت من أفعال الصالحين وأخلاقهم شيئًا إلا جمعته، ولذلك لمَّا سئل جد جدي شيخ الإسلام؛ أبو نعيم أحمد
ابن عبد الله بن بدر الغزي: مَنِ الصالحون؟ أجاب بهذه الآية: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ (113) } [سورة آل عمران: 113] الآية.
ونقل شيخ الإسلام الوالد في دروسه عن جماعة من أهل العلم لما وقفوا على ذلك قالوا: إنه استنباط في غاية الحسن مع البداهة، وسرعة الجواب.
قلت: وهو كذلك.