يعني: حتَّمناها وألزمنا بها ، والإلزام يعني ردّ النفس إلى ما يريده خالقها منها ، بصرْف النظر عما تشتهيه هي ، فقد يأمرها بما تكره ، وينهاها عما تحب . إذن: يقطع سيال النفس ؛ لأنها عادة ما تكون أمَّارة بالسوء ، تنظر إلى العاجل ، ولا تهتم بالآجل ولا تعمل له حساباً .
فالقرآن منهج الله بافعل ولا تفعل ، هو الذي يكبح جماح النفس ، ويُحدِّد لها مجال مشيئتها ؛ لأن الخالق - عز وجل - خلق النفس ، وجعل مشيئتها صالحة لعمل الخير ، ولعمل الشر .
وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين عباد وعبيد وقلنا: إن الخَلْق جميعاً عبيد الله ، المؤمن منهم والكافر ، وإنْ تأبَّى الكافر على الله في الإيمان ، فهو مقهور له تعالى في مسائل أخرى ، كالمرض والموت وغيره ، ثم أعطانا الله تعالى مجالاً للاختيار ، ليثيب من يُثيب بحق ، يُعذِّب بحق .
والعاقل حينما يرى أنه مقهور لله في قدريات لا يستطيع منها فكاكاً ، وليس له فيها تصرف ، فيتنازل عن مراده ، وعن اختياره لمراد ربه واختيار ربه ، ويرضى أنْ يكون مُسيَّراً في كل شيء ، وهنا يتحولون من عبيد إلى عباد .
فالعباد إذن هم الذين يخرجون عن اختياراتهم الممنوحة لهم من الله إلى مراد الله في الحكم ، وبهذا المنطق يكون الجميع في الآخرة عباداً ؛ لأنه لا اختيار لهم ، ويستوي في ذلك المؤمن والكافر ، يوم يقول سبحانه: {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .
وسُمِّي إنزال القرآن فَرْضاً لما في القرآن من تكاليف ، وهي عادةً ما تكون شاقة على النفس ، أَلاَ ترى قوله تعالى عن الصلاة ، وهي أم العبادات: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين} [البقرة: 45] .
فلا يعرف منزلتها ومكانتها إلا خاشع ؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال:"أرحنا بها يا بلال"ويقول:"وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة"؛ لأنه أحبها وعشقها ، حتى صارت قُرَّة عينه ، ومُنْتهى راحته .