أَطْيَبَ وَلَا أَنْعَمَ وَلَا أَهْنَأَ مِنْهَا، وَهِيَ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [سُورَةُ النَّحْلِ: 97] .
(فصل)
يا من شكى شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غدا
وسر إليه بنار الشوق مجتهدا ... عساك تلقى على نار الغرام هدى
المحب الصادق كلما قرب من محبوبه زاد شوقا إليه
وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام
كلما وقع بصر المحب على محبوبه أحدثت له رؤيته شوقا على شوقه
ما يرجع الطرف عنه حين يبصره ... حتى يعود إليه الطرف مشتاقا
المحب الصادق إذا سافر طرفه في الكون لم يجد له طريقا إلا على محبوبه
فإذا انصرف بصره عنه رجع إليه خاسئا وهو حسير
ويسرح طرفي في الأنام وينثني ... وإنسان عيني بالدموع غريق
فيرجع مردودا إليك وماله ... على أحد إلا عليك طريق
أقر شيء لعيون المحب خلوته بسره مع محبوبه
حدثني من رأى شيخنا في عنفوان أمره خرج إلى البرية بكرة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم تمثل بقول الشاعر
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا
[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الشَّوْقِ]
وَمِنْ مَنَازِلِ"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"مَنْزِلَةُ الشَّوْقِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت: 5] .
قِيلَ: هَذَا تَعْزِيَةٌ لِلْمُشْتَاقِينَ، وَتَسْلِيَةٌ لَهُمْ. أَيْ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَائِي فَهُوَ مُشْتَاقٌ إِلَيَّ. فَقَدْ أَجَّلْتُ لَهُ أَجَلًا يَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ. فَإِنَّهُ آتٍ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.
وَفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرَى. وَهِيَ تَعْلِيلُ الْمُشْتَاقِينَ بِرَجَاءِ اللِّقَاءِ.
لَوْلَا التَّعَلُّلُ بِالرَّجَاءِ لَقُطِّعَتْ ... نَفْسُ الْمُحِبِّ صَبَابَةً وَتَشَوُّقًا
وَلَقَدْ يَكَادُ يَذُوبُ مِنْهُ قَلْبُهُ ... مِمَّا يُقَاسِي حَسْرَةً وَتَحَرُّقَا
حَتَّى إِذَا رَوْحُ الرَّجَاءِ أَصَابَهُ ... سَكَنَ الْحَرِيقُ إِذَا تَعَلَّلَ بِاللِّقَا
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي دُعَائِهِ
«أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ» .