أجيب: عن الأوّل بأن ما أورده الله تعالى أحكم لأنه لو قيل كما ذكر لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك وكأنه قال تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أنَّ ذلك أخصر وأعذب لفظاً وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى وهي أنَّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره، وعن الثاني: بأنَّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض نتيجة المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك
«فَإِنْ قِيلَ» : لم نكر الرزق في قوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} ؟
وعرفه في قوله تعالى: {فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ} ؟
أجيب: بأنه نكره في معرض النفي أي: لا رزق عندهم أصلاً وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي: كل رزق عنده فاطلبوه منه، وأيضاً الرزق من الله معروف لقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (هود: 6) والرزق من الأوثان غير معلوم فنكره لعدم حصول العلم به
{وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ}
أي: من قبلي من الرسل فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع للرّسول، وهلاك العاصي له، ولم يضرّ ذلك الرسول شيئاً وما أضروا به إلا أنفسهم.
(تنبيه)
في المخاطب بهذه الآية والآيات بعدها إلى قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} وجهان الأوّل: أنه قوم إبراهيم عليه السلام لأنّ القصة له فكأنّ إبراهيم عليه السلام قال لقومه: إن تكذبوني فقد كذب أمم من قبلكم، وإنما أتيت بما عليّ من التبليغ فإنّ الرسول ليس عليه إلا التبليغ والبيان.