فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر هاهنا أن هانك لما قال لهم إبراهيم: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا إنَّا مُنَجُّوكَ) أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: (إنَّكَ مَيِّتٌ) لضرورة وقوعه.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما مناسبة قوله: «إنا منجوك» لقوله: {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ} فإن خوفه ما كان على نفسه؟
فالجَوابُ: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} .
{إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) }
«فَإِنْ قِيلَ» : القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك، فكيف كانت من الغابرين معهم؟
فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة «لوط» بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب.
واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: {رِجْزاً مِّنَ السمآء} بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: «إنا منجوك» ثم قالوا: «إنا مُنْزِلُونَ» ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: {بما كانوا يفسقون} كقولهم هناك: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} .