الإيجاز: فقد حذف المفعول في أربعة أماكن: أحدها مفعول (يسقون) ، أي: مواشيهم. والثاني مفعول (تذودان) ، أي: مواشيهما، وعلة الحذف أن الفرض هو أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن البنتين ذود، وإنهما قالتا: (لا نسقي) ، أي: لا يكون من سقي حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى سقي.
(ماء مدين) مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل.
الكناية في قوله تعالى: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} فقد استخدمتا الكناية تعبيراً عن المعنى المراد، فقد أرادتا أن تقولا له إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ومالنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ طاعن في السن قد أضعفه الكبر وأعياه، فلا بد لنا من ترك السقيا وإرجائها إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء، وبذلك طابق جوابهما سؤاله لأنه سألهما عن علة الذود فقالتا ما قالتاه.
المعنى العام
وذكر الرازي اختلاف العلماء في قوله تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} :
القول الأول: قال بعضهم: إنه خرج وما قصد مدين، ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة، فوصله الله تعالى إلى مدين. وهذا قول ابن عباس (- رضي الله عنه -) .
القول الثاني: إنه لما خرج قصد مدين، لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم (- عليه السلام -) ، وهو كان من بني إسرائيل، لكن لم يكن له علم بالطريق بل أعتمد على الله.
القول الثالث: ومن الناس من قال بل جاءه جبريل (- عليه السلام -) وعلمه الطريق. وذكر ابن جرير عن السدي: لما أخذ موسى (- عليه السلام -) في السير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني، فتبعه نحو مدين. وهذه الرواية غير صحيحة لأنه لا يمكن لموسى أن يسجد لغير الله تعَاَلىَ حتَّى ولو كان قبل النبوة لأن الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها، واستغرب من عدم رد الرازي لها.
ورجح الرازي القول الأول للأدلة الآتية: