وقالوا: أين هذا الأمن ، وقد حدث في الحرم الاعتداء والقتل وترويع الآمنين ، كما حدث في أيام القرامطة لما دخلوا الحرم ، وقتلوا الناس فيه ، وأخذوا الحجر ، وفي العصر الحديث نعرف حكاية جهيمان ، وما حدث فيها من قَتْل في الحرم .
وهذه الآية: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ...} [آل عمران: 97] جملة خبرية غرضها الأمر والحثّ ، كأنه تعالى قال: أمِّنوا من دخل الحرم . وهذه ليست قضية كونية ، إنما قضية شرعية ، وفرْق بين القضيتين: الكونية لا بُدَّ أن تحدث ، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض ، ويخرج عليه البعض ، فمَنْ أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أنْ يجعل أمر الله صادقاً يُؤمِّن أهل الحرم ، ومَنْ أراد أنْ يكذِّب ربه يهيج الناس ويروعهم فيه .
ومن الآيات التي كثيراً ما يُسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى: {الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ ...} [النور: 26] يقولون: كثيراً ما يتزوج خبيث من طيبة ، أو طيبة من خبيث ، فالواقع لا يتفق مع الآية . نقول أيضاً هنا: هذه قضية شرعية تحمل أمراً قد يُطاع وقد يُعْصَى ، وليست قضية كونية لا بُدَّ أنْ تأتي كما أخبر الله تعالى بها ، ولا يتخلّف مدلولها .
فالمعنى في الآية: إن زوجتُم فزوِّجوا الخبيث للخبيثة ، والطيب للطيبة ؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق ، حتى إنْ عيَّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أنْ تردّ عليه ، لا بُدَّ من وجود التكافؤ حتى في (القباحة) ، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث ، أو الخبيث مع الطيبة؟
إذن: فالآية وأمثالها قضية شرعية في صيغة الخبر ، وإنْ كانت تعني الأمر ، كما تقول عن الميت: رحمه الله بصيغة الماضي ، وأنت لا تدري رحمه الله ، أو لم يرحمه ، إذن: لا بُدَّ أن المعنى دعاء: فليرحمه الله ، قلتها أنت بصيغة الماضي ، رجاء أن تكون له الرحمة .