نعود إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً ...} [القصص: 57] ونلحظ هذا التمكين وهذا الأمن من قصة الفيل ، حيث جاء أبرهة ليهدم الكعبة ، ويتقدّم الجيش فيل ضخم يقال له محمود ، فلما قالوا في أذنه (أبرُكْ محمود وارجع راشداً) يعني: انفد بجلدك (فإنك ببلد الله الحرام) فبرك الفيل واستجاب .
ثم جاءت معركة الطير الأبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول . هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش فجعلهم كعصف مأكول . هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش سكان حرمه ؛ لتظل الكعبة مسكونة بهم ، وما داموا هم سكان الحرم والناس تأتيهم من كل الأنحاء للحج كل عام ، فسوف يظل لهم الأمن بين القبائل ، ولا يجرؤ أحد على الأعتداء عليهم ، أو التعرُّض لقوافلهم في رحلة الشتاء والصيف ، وأيُّ أمن ، وأيُّ مهابة بعد هذا؟
ومع الحجيج يُجلب الطعام وتُجلب الأرزاق ، وصدق الله العظيم: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4] .
وكيف بعد هذا الأمن والأمان يخاف مَنْ يؤمن بمحمد أنْ يُتخطَّف من أرضه؟ إنها مقولة لا مدلولَ لها .
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)
كلمة {وَكَمْ . .} [القصص: 58] كم هنا خبرية تفيد الكثرة ، كأنك تركتَ الجواب ليدل بنفسه على الكثرة ، كما تقول لمن ينكر جميلك ، ولا تريد أنْ تُعدد أياديك عليه: كم أحسنتُ إليك ، يعني: أنا لن أُعدِّد ، وسوف أرضى بما تقوله أنت لأنك واثق أن الإجابة سوف تكون في صالحك ، وعندها لا يملك إلا أن يقول: نعم هي كثيرة . فكم هنا تعني الكثرة ، وينطق بها المخاطب لتكون حجة عليه .