أما إنْ ظلُّوا على كفرهم ، فمتاع قليل في الدنيا الفانية ، ولا نصيبَ لهم في الآخرة الباقية . إذن: فأيُّ الطريق أهدى؟ إن المقارنة العقلية ترجح طريق الهدى واتباع الحق الذي جاء به رسول الله ، هذه واحدة .
ثم مَنْ قال إنكم إن اتبعتم الهدى مع رسول الله تُتخطَّفوا وتُضطهدوا؟ لذلك يرد الله عليهم: قُلْ لهم يا محمد: كذبتم ، فلن يتخطفكم أحد بسبب إسلامكم {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] .
فقد أنعم الله عليكم وأنتم كافرون مشركون به ، تعبدون الأصنام في جاهلية ، ومكَّن لكم حياة آمنة في رحاب بيته الحرام ، ووفّر لكم رَغَد العيش وأنتم بوادٍ غير ذي زرع حيث يُجْبي إليه الثمرات من كل مكان ، فالذي صنع معكم هذا الصنيع أيترككم ويتخلى عنكم بعد أنْ آمنتم به ، واهتديتم إلى الحق؟ كيف يكون منكم هذا القياس؟
ومعنى: {نُمَكِّن لَّهُمْ ...} [القصص: 57] نجعلهم مكينين فيه ، كما في قوله تعالى: {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ...} [يوسف: 21] والتمكين يدل على الثبات ؛ لأن ظرف المكان ثابت على خلاف ظرف الزمان .
وقال: {حَرَماً آمِناً . .} [القصص: 57] مع أن الأمن لمن في المكان ، لكن أراد سبحانه أن يُؤمِّن نفس المكان ، فيكون كل ما فيه آمناً ، حتى القاتل لا يُقتصّ منه في الحرم ، والحيوان لا يُثار فيه ولا يُصَاد ، والنبات لا يُعضد حتى الحجر في هذا المكان آمن ، ألاَ تراهم يرجمون حجراً في رمي الجمرات في حين يُكرِّمون الحجر الأسود ويُقبّلونه .