يقول تعالى في هذه المسألة: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] يعني: دللناهم {فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} [فصلت: 17] ؛ لذلك حُرموا هداية المعونة .
إذن: الهداية المنفية عن سيدنا رسول الله {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ...} [القصص: 56] هي هداية المعونة والتوفيق للإيمان ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هدى الجميع هداية الدالة والإرشاد ، وكان مما قال: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] .
فهداية الدلالة صدرت أولاً عن الله تعالى ، ثم بالبلاغ من رسوله صلى الله عليه وسلم ثانياً .
ثم يقول الحق سبحانه: {وقالوا إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ ...} .
وهذه المقولة {إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ...} [القصص: 57] قالها الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ، فقد ذهب إلى سيدنا رسول الله ، وقال: إننا نعلم أنك جئتَ بالحق ، ولكن نخاف إنْ آمنا بك واتبعنا هواك أنْ نُتخطّف من أرضنا ، ولا بُدَّ أنه كان يتكلم بلسان قومه الذين ائتمروا على هذا القول .
والخطْف: هو الأخْذ بشدة وسرعة .
إذن: فهم يُقرُّون للرسول بأنه جاء بالحق ، وأنه على الهدى ، لكن علة امتناعهم أنْ يتخطفوا ، وكان عليهم أنْ يقارنوا بعقولهم بين أن يكونوا مع رسول الله على الحق وعلى الهدى ويُتخطَّفوا وبين أنْ يظلُّوا على كفرهم .
فقصارى ما يصيبهم إنْ اتبعوا رسول الله أن يتخطفهم الناس في أموالهم أو في أنفسهم - على فرض أن هذا صحيح - قصارى ما يصيبهم خسارة عَرَض فانٍ من الدنيا لو استمر لك لتمتعتَ به مدة بقائك فيها ، وهذا الخير الذي سيفوتك من الدنيا محدود على مقتضى قوة البشر ، ولا يضيرك هذا إنْ كنتَ من أهل الآخرة حيث ستذهب إلى خير بَاقٍ دائم ، خير يناسب قدرة المنعم سبحانه .