{وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً} أي خلقنا أمماً بين زمانك يا محمد وزمان موسى {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر} طالت عليهم المهلة وتمادى عليهم الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وتنوسيت الأديان فتركوا أمر الله ، ونسوا عهده ، ومثله قوله سبحانه: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16] ، وقد استدلّ بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى عهوداً في محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإيمان به فلما طال عليهم العمر ، ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود ، وتركوا الوفاء بها {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} أي مقيماً بينهم كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم وتقصّ عليهم من جهة نفسك.
يقال: ثوى يثوي ثواء وثويا فهو ثاوٍ.
قال ذو الرمة:
لقد كان في حول ثواء ثويته... تقضي لبانات ويسأم سائم
وقال العجاج:
فبات حيث يدخل الثوّى... يعني: الضيف المقيم.
وقال آخر:
طال الثواء على رسوم المنزل... {تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا} أي تقرأ على أهل مدين آياتنا ، وتتعلم منهم ، وقيل: تذكرهم بالوعد والوعيد ، والجملة في محل نصب على الحال أو خبر ثان ، ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر ، و {ثاوياً} حال.
وجعلها الفراء مستأنفة كأنه قيل: وها أنت تتلو على أمتك {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي أرسلناك إلى أهل مكة ، وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها.
قال الزجاج: المعنى: أنك لم تشاهد قصص الأنبياء ، ولا تليت عليك ، ولكنا أوحيناها إليك وقصصناها عليك.
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا} أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور إذ نادينا موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين.
وقيل: المنادى هو أمة محمد صلى الله عليه وسلم.