والاستثناء يرجع إلى المساكن أي بعضها يسكن ؛ قاله الزجاج.
واعترض عليه ؛ فقيل: لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال إلا قليل ؛ لأنك تقول: القوم لم تضرب إلا قليل ؛ ترفع إذا كان المضروب قليلاً ، وإذا نصبت كان القليل صفة للضرب ؛ أي لم تضرب إلا ضرباً قليلاً ، فالمعنى إذاً: فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون ومن مرّ بالطريق يوماً أو بعض يوم ، أي لم تُسْكن من بعدهم إلا سكوناً قليلاً.
وكذا قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافر أو مارّ الطريق يوماً أو ساعة.
{وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين} أي لما خلّفوا بعد هلاكهم.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى}
أي القرى الكافر أهلها.
{حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا} قرئ بضم الهمزة وكسرها لإتباع الجر يعني مكة و {رَسُولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقيل: {فِي أُمِّهَا} يعني في أعظمها {رَسُولاً} ينذرهم.
وقال الحسن: في أوائلها.
قلت: ومكة أعظم القرى لحرمتها وأوّلها ، لقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها ؛ لأن الرسل تبعث إلى الأشراف وهم يسكنون المدائن وهي أمّ ما حولها.
وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة"يوسف".
{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} {يَتْلُوا} في موضع الصفة أي تاليا أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا.
{وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى} وسقطت النون للإضافة مثل {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النحل: 28] .
{إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} أي لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم وفي هذا بيان لعدله وتقدّسه عن الظلم.
أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم ، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل ، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم.