ولما وصفه بالأمن ، أتبعه ما تطلبه النفس بعده فقال: {يجبى} أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه {إليه} أي خاصة ، دون غيره من جزيرة العرب {ثمرات كل شيء} من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق ، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال ، ما لم يخطر لأحد منهم في بال ، وقد صدق الله فيما قال كما تراه - ومن أصدق من الله قيلاً.
ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع بأصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات ، وجباية هذه الثمرات ، في غاية الغرابة في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر ، المحفوفة من الناس بمن لا يدين ديناً ، ولا يخشى عاقبة ، ولا له ملك قاهر من الناس يرده ، ولا نظام من سياسة العباد يمنعه ، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدان فقال: {رزقاً من لدنا} أي من أبطن ما عندنا وأغربه ، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك أنت ومن أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم ، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا الحرم مضمراً في الأصلاب ، ومظهراً في تلك أشعاب ، توطئة لنبوتك ، وتمهيداً لرسالتك ، ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون.