والبعث مما جاء به الرسل ، فمَنْ كذَّب الرسل كذَّب بالبعث مع أنه واقع لا شكَّ فيه ، لكن الحق تبارك وتعالى يُخِفيه لوقته ، كما قال سبحانه: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 187] .
ثم يُسلِّي الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ليُخفِّف عنه ألم ما يلاقي في سبيل الدعوة ، فيقول تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}
وقد خاطب الحق سبحانه رسوله بقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] .
والعنى: مُهلِك نفسَك من الحزن ، والبخع كما قلنا: المبالغة في الذبح بحيث توصله إلى البخاع . والحق تبارك وتعالى يوضح أن مهمة الرسول البلاغ عن الله فقط ، ولا عليه آمن مَنْ آمن ، أو كفر مَنْ كفر ، إنما حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وحِرْصه على نجاتها جعلاه يحزن ويألم إنْ شرد منه واحدٍ من أمته ، ألم يقُلْ عنه ربه: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] .
ثم يقول الحق سبحانه عنهم: {وَيَقُولُونَ متى هذا}
يقول المكذبون بالبعث {متى هذا الوعد} [النمل: 71] أي: بالبعث {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 71] في أن هناك بَعْثاً .
وسمَّوْا إخبار الله لهم بالبعث وَعْداً ، مع أنه في حقهم وعيد ، وفَرْق بين وَعَد وأوعد: وَعَد للخير وأوعد للشر ، لكن الله تعالى يطمس على ألسنتهم ، وهم أهل الفصاحة فيقولون {متى هذا الوعد} [النمل: 71] وهو بالنسبة لهم وعيد ، لأن إيعاد المخالف لك بشرٍّ وَعْد لك بخير .